العيني

84

عمدة القاري

الطاغوت الساحر ، قاله أبو العالية ومحمد بن سيرين ، وعن سعيد بن جبير وابن جريج : هو الكاهن . وفي ( المعاني ) للزجاج : الطاغوت مردة أهل الكتاب . وفي ( ديوان الأدب ) : تاؤه غير أصلية . قوله : ( وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها ) أي : تبقى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، والحال أن فيهم منافقيها ، فهذا يدل على أن المنافقين يتبعون محمدا صلى الله عليه وسلم لما انكشف لهم من الحقيقة رجاء منهم أن ينتفعوا بذلك ، لأنهم كانوا في الدنيا متسترين بهم فتستروا أيضا في الآخرة ، واتبعوهم زاعمين الانتفاع بهم حتى ضرب بينهم بسور له باب ، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب . وقال القرطبي : ظن المنافقون أن تسترهم بالمؤمنين في الآخرة ينفعهم كما نفعهم في الدنيا جهلاً منهم ، فاختلطوا معهم في ذلك اليوم ، ويحتمل أن يكونوا حشروا معهم لما كانوا يظهرون من الإسلام ، فحفظ ذلك عليهم حتى ميز الله الخبيث من الطيب ، ويحتمل أنه لما قيل : ليتبع كل أمة لما كانت تعبد ، والمنافقون لم يعبدوا شيئا ، فبقوا هنالك حيارى حتى ميزوا . وقيل : هم المطرودون عن الحوض المقول فيهم : سحقا سحقا . قوله : ( فيأتيهم الله عز وجل ) . وفي رواية أخرى : ( فيأتيهم في غير الصورة التي يعرفون فيقولون : نعوذ بالله منك ) . الإتيان هنا إنما هو كشف الحجب التي بين أبصارنا وبين رؤية الله عز وجل ، لأن الحركة والانتقال لا تجوز على الله تعالى ، لأنها صفات الأجسام المتناهية ، والله تعالى لا يوصف بشيء من ذلك ، فلم يكن معنى الإتيان إلاّ ظهوره عز وجل إلى أبصار لم تكن تراه ولا تدركه ، والعادة أن من غاب عن غيره لا يمكنه رؤيته إلاّ بالإتيان ، فعبر به عن الرؤية مجازآ ، لأن الإتيان مستلزم للظهور على المأتي إليه . وقال القرطبي : التسليم الذي كان عليه السلف أسلم . وقال عياض : إن الإتيان فعل من أفعال الله تعالى ، سماه إتيانا ، وقيل : يأتيهم بعض ملائكته . قال القاضي : وهذا الوجه عندي أشبه بالحديث ، قال : ويكون هذا الملك الذي جاءهم في الصورة التي أنكروها من سمات الحدوث الظاهرة عليه ، أو يكون معناه : يأتيهم في صورة لا تشبه صفات الإل 1764 ; هية ليختبرهم ، وهو آخر امتحان المؤمنين ، فإذا قال لهم ، هذا الملك أو هذه الصورة : أنا ربكم ، ورأوا عليه من علامات المخلوق ما ينكرونه ويعلمون أنه ليس ربهم ، فيستعيذون بالله تعالى منه ، وقال الخطابي : الرؤية هي ثواب الأولياء وكرامات لهم في الجنة غير هذه الرؤية ، وإنما تعريضهم هذه الرؤية امتحان من الله تعالى ليقع التمييز بين من عبد الله وبين من عبد الشمس ونحوها ، فيتبع كل من الفريقين معبوده ، وليس ينكر أن يكون الامتحان إذ ذاك بعد قائما ، وحكمه على الخلق جاريا حتى يفرغ من الحساب ، ويقع الجزاء بالثواب والعقاب ، ثم ينقطع إذا حققت الحقائق . واستقرت أمور المعاد ، وأما ذكر الصورة فإنها تقتضي الكيفية والله منزه عن ذلك ، فيأول إما بأن تكون الصورة بمعنى الصفة ، كقولك : صورة هذا الأمر كذا ، تريد صفته . وإما بأنه خرج على نوع من المطابقة ، لأن سائر المعبودات المذكورة لها صورة : كالشمس وغيرها . قوله : ( هذا مكاننا ) جملة من المبتدأ والخبر ، إنما قالوا : هذا مكاننا من أجل أن معهم من المنافقين الذين لا يستحقون الرؤية وهم عن ربهم محجوبون ، فلما تميزوا عنهم ارتفع الحجاب ، فقالوا عندما رأوه : أنت ربنا ، وإنما عرفوا أنه ربهم حتى قالوا : أنت ربنا ، إما بخلق الله تعالى فيهم علما به ، وإما بما عرفوا من وصف الأنبياء لهم في الدنيا ، وإما بأن جميع العلوم يوم القيامة تصير ضرورية . قوله : ( فيأتيهم الله ، عز وجل ، فيقول : أنا ربكم ) ، إنما كرر هذا اللفظ لأن الأول : ظهور غير واضح لبقاء بعض الحجب مثلاً ، والثاني : ظهور واضح في الغاية ، أبهم أولاً ثم فسره ثانيا بزيادة بيان قولهم ، وذكر المكان ودعوتهم إلى دار السلام . وقال الكرماني : أو يراد من الأول إتيان الملك ففيه إضمار . وقال : فإن قلت : الملك معصوم ، فكيف يقول : أنا ربكم ، وهو كذب ؟ قلت : قيل : لا نسلم عصمته من مثل هذه الصغيرة ، ولئن سلمنا ذلك فجاز لامتحان المؤمنين . وقال : فإن قلت : المنافقون لا يرون الله ، فما توجيه الحديث ؟ قلت : ليس فيه التصريح برؤيتهم ، وإنما فيه أن الأمة تراه ، وهذا لا يقتي أن يراه جميعها ، كما يقال : قتله بنو تميم ، والقاتل واحد منهم ، ثم لو ثبت التصريح به عموما فهو مخصص بالإجماع ، وسائر الأدلة ، أو خصوصا فهو معارض بمثلها ، وهذا من المتشابهات في أمثالها . والأمة طائفتان : مفوضة يفوضون الأمر فيها إلى الله تعالى جازمين بأنه منزه عن النقائص ، ومأولة يأولونها على ما يليق به . قوله : ( فيدعوهم ) أي : فيدعوهم الله تعالى . قوله : ( فيضرب الصراط ) ، ويروى : ( ويضرب الصراط ) بالواو ، وفي بعض النسخ : ( ثم يضرب الصراط ) ، والصراط : جسر ممدود على متن جهنم أدق من الشعر وأحدّ من السيف ، عليه ملائكة يحبسون العباد في سبع مواطن ويسألونهم عن سبع خصال : في الأول عن الإيمان ، وفي الثاني عن الصلاة ، وفي الثالث عن الزكاة ، وفي الرابع عن شهر رمضان ، وفي الخامس